قانون إعلام جديد! متى سيُصبح الموت مثل الإعلام الحديث؟

رامي نعيم
كانت الصحافة المكتوبة مسؤولة وكان الكتّاب يتنافسون على المعلومة والأسلوب
أُحب فيروز. ليس مع كل صباح فحسب، بل أحبّها متى حضرت في الصوت أو في الذاكرة. في صوت فيروز حنين إلى الزمن الجميل، وهي التي غنّت: “أنا عندي حنين ما بعرف لمين”. المفارقة أنني، وفي كل مرة أسمع هذه الأغنية، أشعر بالحنين، ولكنني أعرف جيدًا “لمين”… أحنّ إلى صحافة شريفة وأدب جميل وفن راق… أحن إلى من سلّمونا أمانة فخنّاها، وباللبناني “حطّينا راسنا بين هالروس”.
كان للصحافة وللفن هيبة، وكان للإعلاميّ ومقدّم البرامج تاريخ مهنيّ يخوّله اقتحام البيوت عبر الشاشة. أما اليوم فالشاشات مليئة بالفراغ، ومن سلِم استسلم… كان انتحاريًّا من يجرؤ على الغناء، واليوم مهزلة الفنّ لم تعد مستترة، فمن استبدل وديع الصافي بوديع الشيخ استبدل أيضًا غسان التويني بغسان سعود!
وبالعودة إلى الأقلام، فلقد كان شائعًا في وسطنا المهنيّ أن من لم يمر على الصحافة المكتوبة ويتمرّس بها لن ينجح في غيرها… وكنّا نتباهى، نحن أبناء المكتوبة، بتمرّسنا، كلّ بصحيفته. وفي هذا السياق، رحم الله أحد كبار المهنة، ومن لم ينصفه تاريخنا المادي الكاذب، بيار القاضي. فكم أستذكره في هذه الأيام، وأستذكر شغفه في مهنة أفقرته فأغناها. في إحدى الليالي، وبينما كنّا ننتظر الانتهاء من عدد الصحيفة، شعر القاضي بتوعّك في صحّته، وكان دائم الضحكة حتى في قمّة الوجع، ثم قال لي: “أخاف أن أموت الآن وتكون هذه المقالة في عدد اليوم آخر كتاباتي، وأنا لست راضيًا عنها، لكنّني سلّمتها، والصحيفة عندما تصدر مثل وثيقة الوفاة لا يمكن تعديلها”.
كانت الصحافة المكتوبة مسؤولة، وكان الكتّاب يتنافسون على المعلومة والأسلوب من دون إقحام سياسة الصحيفة في الاصطفافات. كانت الصحافة مهنة “الحشّورين”، ولم تكن مهنة “الفجعانين”. و”الفجعانون” هنا ليسوا من يبحثون عن طعام وهم في تخمة، بل من يبحثون عن شهرة ومال ونفوذ… كانت الصحافية الأنثى تُزاحم الصحافيّ الشاب بالسهر والتعب والاجتهاد والموهبة، أما اليوم فلم يعد للشباب دور إلا بملء الفراغات، والسبب لا علاقة له بالموهبة بل بالهبات! حتى الصحافة المكتوبة اليوم لم تعد كما كانت، فترى الأحزاب تموّل هنا وهناك، والدول تسطو على المقدمات والسطور والصفحات، والصحافيون غبّ الطلب.
يُروى أن الكبير غسان تويني، رحمه الله، كان يقول: “نعم، كنّا نأخذ أموالا سياسية لنستمر، ولكن من دون أن نرهن أقلامنا وصفحاتنا… ولم تكن الأموال حكرًا على جهة، بل كنا صحيفة للجميع، تنقل صوت الجميع ويدعمها الجميع”. أما اليوم فأين الصحافة المكتوبة؟ ائتني بصحافة مكتوبة غير تابعة سياسيًّا لطرف؟ كيف ستستطيع أن تأتي، ومن يدفع اليوم للاستمرار يرفض الاعتدال ويمنع الرأي الآخر؟
“الورقية” آيلة إلى زوال، وما يحلّ الآن مكانها هو الإعلام الإلكترونيّ… تكلفة مادية أقل بكثير، وسرعة في نشر المعلومة والموقف والمقال. انحلال على المستويات كافة. آلاف المواقع التي لا تستوفي الشروط، وآلاف المستصحفين الذين يحملون “الشنطة” في آخر الشهر ويدورون على السياسيين ورجال الأعمال من بعد ابتزازهم. “الورقية” إلى زوال، لكنّ البديل غير منظّم، والمواقع الجيّدة التي تملك مكاتب وموظفين وصحافيين مجازين وإداريين لا يحميها القانون.
يُنشئ أحد خريجي معهد الابتزاز صفحة على فايسبوك، ويبتزّ من خلالها بعض النافذين، فيصبح صحافيًا يكرّم وزراء ومشاهير في لبنان والخارج. نسأل لجنة الإعلام في مجلس النواب عن القانون الجديد، فنعلم أنها تسعى إلى إقراره، لكنها غير متفائلة بذلك. الصحافة، يا سادة، أخطر من الطب ومن المحاماة والهندسة، وإن كان للنقابات التي ذكرت نقباء شرفاء، لكن على الدولة اللبنانية رفع مستوى الصحافة وتحصين نقابتها ودمج الصحافيين معًا، بعد إجراء اختبار دخول إلى هذه النقابة لكل المجازين، وبشفافية تضاهي النقابات المذكورة. فلا حاجة لنقابة صحافة وأخرى للمحررين، طالما أن نقيب المحررين لا يملك صلاحية إدخال صحافيّ إلى نقابته من دون موافقة نقيب الصحافة. ولماذا لا يتم دمج الجميع في نقابة فاعلة محصّنة، غير محسوبة على فريق سياسي وغير معادية لأي فريق؟
أما بالعودة إلى الإعلام الإلكتروني، فلقد ذكرت في بداية النصّ أن الصحافة المكتوبة كانت مثل وثيقة الوفاة، أما اليوم فتنشر خبرًا ثم تزيله! تُعطي موقفًا ثم تتراجع عنه، وإذا كنت عنيدًا كمن علّموك الأصول، يتم استدعاؤك إلى قسم جرائم المعلوماتية لتزيل، تحت تهديد الأمن والقضاء، موقفًا لا يعجب كثيرين. فيا ليت الموت يصبح مثل الإعلام الحديث!!!


