Ad Cover
أخبار لبنان

هل تعود دمشق إلى لبنان ولو بغطاء عربي؟

لم يكن لافتاً في التسريبات التي تحدثت عن تفضيل الرئيس السوري أحمد الشرع أن يأتي أيّ حضور سوري في لبنان ضمن إطار عربي، مضمون الفكرة بذاته، بقدر ما كان لافتاً توقيتها ورسالتها السياسية. فالكلام لا يبدو موجهاً إلى الداخل اللبناني فحسب، بل إلى عواصم عربية وغربية تراقب شكل النظام الإقليمي الذي يتكوّن بعد سنوات من الحروب والانهيارات.

فالحديث عن رفض دخول قوات سورية إلى لبنان بصورة منفردة لا يعني فقط تجنب استعادة صورة الجيش السوري الذي بقي في لبنان ثلاثة عقود، بل يعكس إدراكاً سورياً أن أيّ دور جديد لن يكون ممكناً إذا أعاد إنتاج أدوات الماضي. فدمشق تعرف أن البيئة السياسية التي سمحت بدخول قواتها عام 1976 لم تعد قائمة، كما أن التوازنات الإقليمية والدولية تغيّرت بالكامل، وأصبحت أيّ شرعية لدور خارجي تمر عبر توافقات عربية ودولية، لا عبر موازين القوى العسكرية وحدها.

من هنا، تبدو عبارة “ضمن إطار عربي” أقرب إلى رسالة سياسية منها إلى خطة عسكرية. فهي تعني عملياً، أن سوريا لا تريد أن تُتهم بالعودة إلى لبنان، بل أن تكون جزءاً من منظومة أمنية إقليمية إذا فرضت التطورات مثل هذا الخيار.

الرسالة إلى الخليج قبل لبنان
قد يظن البعض أن الرسالة موجهة إلى اللبنانيين، لكنها في الواقع تبدو موجهة أولاً إلى العواصم العربية، ولا سيما الخليجية التي أعادت فتح قنوات التواصل مع دمشق على أساس أن سوريا الجديدة لن تعود إلى سياسات النفوذ التقليدية.

فالشرع يدرك أن استعادة الثقة العربية لا تقل أهمية عن استعادة العلاقات الدولية. وأيّ إشارة إلى عودة سورية منفردة إلى لبنان كفيلة بإحياء الهواجس التي رافقت مرحلة الوصاية، وهو ما يتناقض مع المسار الذي تحاول دمشق تسويقه منذ أشهر، والقائم على احترام سيادة الدول وإعادة بناء العلاقات على قاعدة المصالح المشتركة.

لذلك، فإن إدخال عبارة “قوة عربية” في أيّ نقاش يحمل قيمة سياسية تتجاوز مضمونها العسكري. إنها إعلان ضمني أن دمشق لا تريد أن تكون اللاعب الوحيد، بل شريكاً في ترتيبات أوسع إذا توافرت ظروفها.

هل الفكرة قائمة أصلاً؟
حتى الآن، لا معطيات رسمية تشير إلى أن جامعة الدول العربية تبحث في إنشاء قوة عربية للبنان، ولا مؤشرات لوجود مشروع سعودي أو مصري أو إماراتي من هذا النوع.

لكن غياب المشروع لا يعني غياب التفكير. فالمنطقة كلها تدخل مرحلة إعادة صياغة منظومتها الأمنية. فهناك نقاش مفتوح حول مستقبل قوة “اليونيفيل”، وحديث عن تطوير آليات تنفيذ القرار 1701، وضغط متزايد لتعزيز دور الجيش اللبناني في الجنوب، إلى جانب إعادة ترتيب العلاقة بين لبنان وسوريا بعد التحولات التي شهدتها دمشق.

هذه الملفات، وإن بدت منفصلة، تتحرك في اتجاه واحد: البحث عن صيغة جديدة لإدارة الأمن على الحدود اللبنانية، تختلف عن النموذج الذي حكم المرحلة السابقة.

من “اليونيفيل” إلى الإطار العربي؟
السؤال الذي يفرض نفسه ليس عما إذا كانت قوة عربية ستدخل لبنان غداً، بل إذا كانت القوى الدولية بدأت تبحث عن بدائل أو صيغ مساندة في حال تغيّر دور “اليونيفيل” مستقبلاً.

فالولايات المتحدة تدفع في اتجاه تعزيز دور الجيش اللبناني، والأوروبيون يناقشون مستقبل المهمة الدولية، بينما تسعى سوريا إلى إعادة تثبيت نفسها لاعباً إقليمياً بعد سنوات العزلة.

في هذا السياق، قد يصبح الحديث عن إطار عربي جزءاً من نقاش أوسع لا يتعلق بإرسال جنود بقدر ما يتعلق بإيجاد مظلة سياسية وأمنية لأيّ ترتيبات جديدة.

تحوّل في العقل السوري
الأهم من كل ذلك أن التسريب، إذا صح، يكشف تبدلاً في طريقة تفكير دمشق نفسها.

فلسنوات طويلة، كانت سوريا ترى وجودها في لبنان حقاً سياسياً وأمنياً تفرضه موازين القوى. أما اليوم، فاللغة تبدو مختلفة. الحديث لم يعد عن نفوذ، بل عن شرعية. ولم يعد عن قرار سوري منفرد، بل عن إطار عربي، وهذا بذاته يعكس إدراكاً أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة، وأن العودة إلى الماضي لم تعد ممكنة.

أبعد من لبنان
ربما هنا تكمن أهمية التسريب. فهو لا يجيب عن سؤال: هل تدخل قوات عربية لبنان؟ ويُطرح سؤال آخر أكثر عمقاً: هل بدأت المنطقة ترسم منظومة أمنية جديدة تحاول سوريا أن تجد لنفسها مكاناً فيها؟

قد يكون الجواب اليوم بالنفي، لأن الوقائع لا تزال غير ناضجة، ولأن أيّ تغيير من هذا النوع يحتاج إلى توافقات عربية ودولية معقدة.

لكن مجرد انتقال النقاش من فكرة “العودة السورية” إلى فكرة “الإطار العربي” يكشف أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة مختلفة، تُقاس فيها الأدوار بقدرتها على اكتساب الشرعية، لا بمجرد امتلاك القوة.

ولعلّ هذا هو التطور الحقيقي الذي يستحق التوقف عنده، ليس لأن قوة عربية أصبحت على الأبواب، بل لأن دمشق نفسها باتت تتحدث بلغة تختلف عن تلك التي حكمت علاقتها بلبنان لعقود.

“الموقع غير مسؤول عن محتوى الخبر المنشور، حيث يتم نشره لأغراض إعلامية فقط.”

مقالات ذات صلة