جلسة نيابية على وقع الأزمات: السجالات تعلو وصوت الناس يتراجع

خاص أخبار زحلة
في بلدٍ تتراكم فيه الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية والمعيشية، جاءت جلسة مجلس النواب اليوم لتكشف مجدداً حجم الانقسام السياسي، بعدما تقدمت السجالات والمواقف الحادة على الملفات التي ينتظر اللبنانيون حلولاً فعلية لها.
جلسة كان يفترض أن تكون مساحة للمساءلة والمحاسبة، تحولت منذ دقائقها الأولى إلى مشهد من الأخذ والرد وتبادل الاتهامات، فيما بقي المواطن، الذي يرزح تحت أثقال الأزمات، خارج دائرة الاهتمام الفعلي.
فلبنان لا يواجه أزمة واحدة.
هناك الجنوب، والاعتداءات، واتفاق الإطار، وملف السلاح وحصرية قرار الدولة، إلى جانب الكهرباء والموازنة والاستثمارات وأموال المودعين والسجون والرواتب والقدرة الشرائية، وغيرها من الملفات التي تمس حياة اللبنانيين ومستقبلهم بصورة مباشرة.
لكن بدلاً من أن تتقدم هذه الملفات نحو نقاش هادئ ومسؤول، ارتفع منسوب السجال داخل القاعة، وكأن المطلوب تسجيل النقاط السياسية أكثر من البحث عن مخارج للأزمات.
ومنذ الدقائق الأولى، بدا أن الجلسة ستكون امتداداً سياسياً لجلسة الثلاثاء، بعدما افتتحها سجال بين رئيس مجلس النواب نبيه بري والنائب سجيع عطية على خلفية مقاطعة كلمة الأخير، قبل أن تتوالى المداخلات وترفع سقف النقاش.
وسرعان ما انتقل النقاش إلى الجنوب واتفاق الإطار.
وفي مداخلة النائب أنطوان حبشي، اعتبر أن الاتفاق يصبح أفضل إذا جرى تعزيز موقع المفاوض اللبناني، منتقداً عدم تسليم أنفاق علي الطاهر إلى الجيش، وداعياً إلى وقف تغيير المعالم في الجنوب وإعطاء الجيش أوامر سياسية واضحة لتنفيذ مهمته.
كلام حبشي استدعى رداً من بري الذي طلب منه «وزن كلامه»، قبل أن يدخل نواب «حزب الله» على خط السجال.
وردّ إيهاب حمادة بأن الحديث عن شراء السلاح وتقوية الجيش لا يعالج، بحسب موقفه، حقيقة ما جرى، فيما قال إبراهيم الموسوي إن الجيش «طُرد من المنصوري»، داعياً إلى تسليحه.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد.
فعند مداخلة النائب ميشال معوّض، اندلع سجال حاد بينه وبين نواب «حزب الله»، ولا سيما إيهاب حمادة، قبل أن يدخل زياد حواط على خطه.
وارتفعت حدة الكلام بعدما اتهم حمادة خصومه بالكذب، فيما رد حواط معتبراً أن الكلام يطال الجميع، وطالباً من نواب الحزب وقف «العنتريات»، ليتطور الأمر إلى تبادل اتهامات داخل القاعة وتدخلات نيابية حالت دون استمرار السجال.
ثم احتدم النقاش بين النائب وضاح الصادق والنائب حسين الحاج حسن على خلفية كلام عن الجهة التي «تقدم الهدايا لإسرائيل».
وتبادل الطرفان عبارات حادة واتهامات متبادلة بالعمالة، قبل أن يتدخل بري لحسم السجال.
ومع انتهاء كلمة الصادق، رفع رئيس المجلس الجلسة إلى السادسة مساءً، وسط اعتراض بعض النواب الذين طالبوا بتمديدها نصف ساعة إضافية.
من حصرية السلاح إلى الجنوب
في موازاة السجالات، حملت المداخلات السياسية رسائل واضحة في اتجاهين.
نواب من القوى السيادية والتغييرية ركزوا على ضرورة تنفيذ قرارات الحكومة المتعلقة بحصرية السلاح وبسط سلطة الدولة، فيما ركز نواب «حزب الله» وحلفاؤه على اتفاق الإطار والموقف اللبناني من المفاوضات والوضع في الجنوب.
وقال النائب غسان حاصباني إن الحكومة اتخذت «قرارات تاريخية لحصر السلاح بيد الدولة»، معتبراً أن السؤال لم يعد ماذا قررت الحكومة، بل ماذا نفذت، ومشيراً إلى أن تطبيق القرار لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يشمل ضبط الحدود والمعابر ومنع إدخال السلاح وتخزينه.
في المقابل، قال النائب هاني قبيسي إن «المفاوضات لم تنفع»، داعياً الحكومة والدولة إلى اتخاذ موقف مختلف، ومشدداً على أن الجنوب يحتاج إلى تضامن وطني.
أما النائبة حليمة قعقور، فرفضت أن تفاوض إيران عن لبنان، مؤكدة أن «لبنان هو من يفاوض عن نفسه»، مع تمسكها في الوقت نفسه بحصرية السلاح وقرار الدولة.
وهنا يعود السؤال الأساسي:
هل يستطيع لبنان أن يحوّل هذا الخلاف السياسي إلى مسار مؤسساتي ينتج حلولاً، أم سيبقى أسير السجالات نفسها؟
وبينما يتجادل النواب… المواطن ينتظر
خارج القاعة، لا يعيش اللبناني تفاصيل السجال بالطريقة التي يعيشها النواب.
المواطن يريد كهرباء.
يريد راتباً يكفيه.
يريد أن يستعيد أمواله.
يريد مستشفى ومدرسة وفرصة عمل.
يريد أن يعرف ماذا سيحدث غداً.
وفي الجنوب، يريد المواطن أن يعيش في أرضه بأمان، وأن يعرف أن هناك دولة تتولى مسؤولية حمايته والدفاع عن حقوقه بالوسائل التي تقررها مؤسساتها.
أما المزارع، فيريد الوصول إلى أرضه.
وصاحب المؤسسة يريد الاستقرار.
والشاب يريد فرصة عمل ومستقبلاً في وطنه بدلاً من البحث عن بلد آخر.
هذه هي الملفات التي لا تحتمل التأجيل.
لكنها غالباً ما تضيع وسط معركة سياسية لا تنتهي حول من قال ماذا، ومن اتهم من، ومن رفع صوته أكثر.
الكهرباء والاقتصاد وأموال المودعين
اقتصادياً واجتماعياً، حضرت الكهرباء والموازنة والاستثمارات وأموال المودعين والسجون وقانون العفو العام بقوة.
ولفت سجيع عطية إلى تفاوت أداء الوزراء، معتبراً أن الكهرباء معيار أساسي للحكم على أداء الحكومة، فيما دعا فريد البستاني إلى موازنة مبنية على أرقام واقعية ورؤية اقتصادية طويلة الأمد.
وحذر ملحم الرياشي من التداعيات الاجتماعية للأزمة، متحدثاً عن «ثورة الجياع».
وفي ملف السجون، دعا مروان حمادة المجلس الدستوري إلى الإسراع في البت بقانون العفو العام، محذراً من استمرار سقوط الموقوفين في رومية، فيما حذر أشرف ريفي من انفجار الوضع في السجون إذا لم يُقر القانون.
أما بيار بو عاصي، فرأى أن معالجة الكهرباء والأزمات الاقتصادية تبقى مستحيلة في ظل غياب الاستقرار واستمرار السلاح خارج سلطة الدولة، مؤكداً أن القطاع الخاص يحتاج إلى الاستقرار والضمانات قبل أن يستثمر.
بدوره، أكد زياد حواط أن أحداً لا يمكن أن يكون راضياً بالكامل عن أداء الحكومة، لكنه شدد على أهمية القرارات التي اتخذتها في اتجاه بسط سلطة الدولة وحصر السلاح، معتبراً أن هذه القرارات تشكل أساساً يمكن البناء عليه.
المشكلة ليست في الاختلاف… بل في غياب النتيجة
ليس المطلوب من مجلس النواب أن يكون متفقاً على كل شيء.
الاختلاف السياسي جزء أساسي من العمل البرلماني.
لكن ما يحتاجه اللبناني هو أن يتحول هذا الاختلاف إلى نقاش منتج، لا إلى سجال يستنزف الوقت ويترك الملفات الأساسية معلقة.
فالنائب ليس مجرد صوت مرتفع تحت القبة.
النيابة مسؤولية.
والمعارضة ليست مجرد اعتراض.
والسلطة ليست مجرد دفاع عن الأداء.
والمحاسبة ليست تبادل الاتهامات.
إذا كان هناك خلاف حول السلاح والسيادة والجنوب، فليكن النقاش واضحاً ومسؤولاً داخل المؤسسات.
وإذا كانت هناك قرارات حكومية، فليكن السؤال عن تنفيذها.
وإذا كان الاقتصاد يحتاج إلى إصلاح، فليُطرح الإصلاح بأرقام وخطط قابلة للتطبيق.
وإذا كان المواطن فقد الثقة، فالمطلوب استعادة هذه الثقة بالأفعال لا بالخطب.
لبنان لا ينقصه الكلام.
الكلام عندنا فائض.
ما ينقصه هو القرار، والتنفيذ، والمحاسبة، والدولة القادرة على تحمل مسؤولياتها.
فالسيادة لا تُحمى بالشعارات.
والاقتصاد لا ينهض بالخطابات.
والكهرباء لا تصل بالتصريحات.
وأموال المودعين لا تعود بالمزايدات.
والجنوب لا يُحمى بالسجال داخل القاعة.
كل هذه الملفات تحتاج إلى دولة ومؤسسات وقرارات واضحة ومسؤولية سياسية.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يجب أن يخرج من كل جلسة نيابية:
ماذا سيشعر المواطن أنه تغيّر بعد هذه الجلسة؟
إذا كانت الإجابة لا تزال غامضة، فإن المشكلة ليست في ارتفاع الصوت داخل البرلمان، بل في غياب النتائج خارجه.
لبنان لا يحتاج إلى نواب يتنافسون على من يصرخ أكثر.
يحتاج إلى نواب يتنافسون على من يقدم حلاً أكثر.
لا يحتاج إلى موسم انتخابي دائم، فيما الأزمات مستمرة.
ولا يحتاج إلى خطب جديدة، فيما المواطن ينتظر أبسط مقومات الحياة.
فوق مقاعد مجلس النواب لا توجد مجرد كاميرات ومنابر. هناك وطن.
وتحت هذه القبة ملايين اللبنانيين الذين انتخبوا ممثليهم لا ليشاهدوا مبارزات كلامية، بل ليجدوا دولة تحميهم، واقتصاداً يؤمّن لهم حياة كريمة، ومؤسسات تعمل، ومستقبلاً يمكن لأبنائهم أن يعيشوه في لبنان.
جلسة نيابية على وقع الأزمات… السجالات تعلو، وصوت الناس يتراجع.
ويبقى لبنان هو من يدفع الثمن.



