Ad Cover
أخبار زحلة والبقاع

14 شباط والشارع السنّي: اختبار العودة أم تثبيت الفراغ؟ – أسامة القادري

تأتي ذكرى 14 شباط هذا العام في لحظة دقيقة يمرّ بها الشارع السنّي في لبنان، لحظة تتقاطع فيها الخيبة السياسية، والانكشاف التمثيلي، وغياب المرجعية الجامعة، فمنذ انسحاب الرئيس سعد الحريري من الحياة السياسية، لم يتمكّن هذا الشارع من إنتاج قيادة بديلة تمتلك الحدّ الأدنى من الإجماع أو القدرة على الفعل الوطني، ما جعل الساحة مفتوحة أمام محاولات متعدّدة لملء الفراغ، من دون أن تنجح أيٌّ منها في تكريس شرعية واسعة.

في هذا السياق، لا يمكن فصل التحضيرات لإحياء ذكرى 14 شباط عن الواقع السنّي الداخلي. فالذكرى لم تعد مجرّد محطة وفاء للرئيس الشهيد رفيق الحريري، بل تحوّلت إلى مؤشّر سياسي لقياس المزاج السنّي: هل ما زال هذا الشارع يرى في الحريرية السياسية مرجعيته الطبيعية، أم أن مرحلة ما بعد الحريري فرضت واقعًا جديدًا يصعب الرجوع عنه؟

المفارقة أن سقوط المنظومة المتّهمة باغتيال رفيق الحريري، ولو بصيغ غير قضائية، أعاد الاعتبار المعنوي للشارع السنّي الذي شعر لسنوات طويلة بأنه الطرف الخاسر في معادلات القوة.

المفارقة أن سقوط المنظومة المتّهمة باغتيال رفيق الحريري، ولو بصيغ غير قضائية، أعاد الاعتبار المعنوي للشارع السنّي الذي شعر لسنوات طويلة بأنه الطرف الخاسر في معادلات القوة.

 إلا أن هذا «الانتصار المتأخّر» لم يترجم حتى الآن بعودة سياسية منظّمة، ما عزّز شعورًا مزدوجًا لدى القاعدة الشعبية: شعور بالإنصاف، يقابله شعور بالإحباط نتيجة استمرار الغياب القيادي.

من هنا، تبدو الحشود المتوقعة في ساحة الشهداء ذات دلالة تتجاوز العدد. فهي ليست استعراض قوة، بقدر ما هي استفتاء غير مباشر على موقع سعد الحريري في الوعي السنّي. فالرجل، رغم انسحابه، لا يزال يشكّل المرجعية الوحيدة القادرة على جمع شرائح واسعة، في مقابل تشتّت المشهد بين نواب مستقلين، وقيادات مناطقية، وخيارات فردية لم ترتقِ إلى مستوى المشروع السياسي الجامع.

https://googleads.g.doubleclick.net/pagead/

غير أن هذا الاختبار يحمل في طيّاته مخاطرة حقيقية. فالعودة إلى الشارع من دون إعلان سياسي واضح، أو من دون أفق تنظيمي محدّد، قد تعيد إنتاج الإحباط نفسه الذي دفع الحريري إلى الانسحاب أساسًا. كما أن الشارع السنّي، الذي تحمّل كلفة الانهيار الاقتصادي والتهميش السياسي، لم يعد مستعدًا لمنح شيكات على بياض، حتى للقيادات التاريخية.

في المقابل، تشير التحرّكات التنظيمية التي يقودها الأمين العام أحمد الحريري إلى محاولة إعادة لملمة القاعدة الحريرية، وقطع الطريق على مزيد من التفتّت، خصوصًا في المناطق التي شهدت تراجعًا في نسبة المشاركة السياسية. كما أن الحديث عن خوض الانتخابات النيابية المقبلة باسم التيار يعكس توجّهًا لإعادة تثبيت التمثيل السنّي ضمن إطار سياسي واضح، بدل تركه رهينة المبادرات الفردية.

يبقى السؤال الجوهري: هل تشكّل ذكرى 14 شباط نقطة انطلاق فعلية لإعادة بناء المرجعية السنّية، أم تكتفي بإعادة إنتاج رمزية الماضي؟ الجواب لن يُقاس فقط بالحشود، بل بقدرة الحريرية السياسية – إن عادت – على تقديم خطاب جديد يعالج هواجس الشارع السنّي اليوم: من موقعه في الدولة، إلى شراكته الوطنية، إلى دوره في منع مزيد من الانكشاف السياسي.

في المحصّلة، 14 شباط لم يعد ذكرى فقط، بل مرآة للواقع السنّي: إمّا أن تعكس بداية إعادة التوازن، أو تؤكّد أن الفراغ، رغم قسوته، أصبح واقعًا مُكرّسًا.

“الموقع غير مسؤول عن محتوى الخبر المنشور، حيث يتم نشره لأغراض إعلامية فقط.”

مقالات ذات صلة