Ad Cover
أخبار لبنان

بين الحرية والمسؤولية: قانون الإعلام اللبناني أمام اختبار مفصلي لحماية الصحافة وصون الديمقراطية


بين الحرية والمسؤولية: قانون الإعلام اللبناني أمام اختبار مفصلي لحماية الصحافة وصون الديمقراطية

تقرير خاص – Lebanon Scoop

تتجه الهيئة العامة لمجلس النواب، يوم الأربعاء المقبل، إلى مناقشة اقتراح قانون الإعلام الذي أعدّته لجنة الإدارة والعدل، بعد مسار تشريعي طويل امتدّ لنحو خمسة عشر عامًا.

ويحمل الاقتراح في طيّاته مجموعة من البنود التي يمكن أن تشكّل خطوة متقدمة نحو تعزيز حرية الصحافة، وحماية الصحافيين، وتنظيم القطاع الإعلامي عبر هيئة تتمتع بدرجة مهمة من الاستقلالية. إلا أنّه، في المقابل، يتضمن ثغرات ومخاوف جدية، تفاقمت في الصيغة الأخيرة التي أُنجزت داخل اللجان المشتركة، ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرته على تحقيق التوازن المطلوب بين حرية الإعلام والمسؤولية القانونية.

وقبل الدخول في تفاصيل الإيجابيات والسلبيات، تبرز ملاحظة أساسية تتعلق بإلغاء فصل كامل كان مخصصًا لتنظيم الإعلام العام، من دون تقديم أسباب واضحة لهذا القرار.

ورغم وجود معلومات عن إمكانية إعادة إدراج هذه الأحكام في حال إقرار اقتراح قانون إخضاع المتعاقدين في وزارة الإعلام لنظام التقاعد، إلا أن حذف هذا الفصل يثير مخاوف من إضعاف دور الإعلام العام وتقليص قدرته على أداء وظيفته الوطنية.

فالقطاع الإعلامي العام لا يُنظر إليه كإعلام منافس للإعلام الخاص، بل كأداة ذات وظيفة مختلفة، خصوصًا في مجالات مكافحة التضليل الإعلامي، متابعة قضايا الفساد، مراقبة أداء السلطات العامة، وضمان عدالة الظهور الإعلامي بين مختلف المكونات.

أولًا: إيجابيات اقتراح القانون

هيئة وطنية مستقلة لتنظيم الإعلام

يسعى الاقتراح إلى إنشاء هيئة وطنية مستقلة تتولى تنظيم القطاع الإعلامي ومراقبته، في خطوة تهدف إلى الانتقال من منطق الرقابة التقليدية إلى نموذج أكثر استقلالية وتنظيمًا.

ولتعزيز استقلالية هذه الهيئة، نصّ الاقتراح على انتخاب سبعة أعضاء من أصل عشرة من قبل جهات متعددة، بينها الهيئات القضائية ونقابتا المحامين والمهندسين وغيرها من المؤسسات، على أن يقوم مجلس الوزراء بتعيين ثلاثة أعضاء من بين الأسماء المقترحة وفق آلية محددة.

كما منح الاقتراح أعضاء الهيئة ضمانات عدة، أبرزها عدم إمكانية إنهاء عضويتهم إلا ضمن حالات وإجراءات واضحة، إضافة إلى منع السلطة التنفيذية من تعليق عمل الهيئة أو وقف نشاطها تحت أي ظرف.

وتتمتع الهيئة، وفق الاقتراح، بصلاحيات واسعة في متابعة أداء المؤسسات الإعلامية، ومراقبة الالتزام بالقوانين ودفاتر الشروط وقواعد السلوك المهني، مع التأكيد على ضرورة حماية حرية التعبير والإعلام والنشر وفق أحكام الدستور والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية.

إلا أن هذه الخطوة الإيجابية لا تخلو من ملاحظات، أبرزها غياب آليات واضحة تمنع تعطيل تشكيل الهيئة، أو تضمن شفافية العملية الانتخابية داخل الجهات المعنية باختيار أعضائها.

كما يُسجّل غياب الصحافيين عن عضوية الهيئة والاكتفاء بوجود خبير إعلامي واحد، إضافة إلى وجود بعض المعايير غير الواضحة، ومنها تحديد السن الأقصى للأعضاء بـ69 عامًا، وحصر الانتخاب بمجالس النقابات بدلًا من إشراك الجسم النقابي أو القضائي بصورة أوسع.

كما لا يتضمن الاقتراح آليات سريعة وفعّالة للتعامل مع خطاب الكراهية والتحريض، خصوصًا خلال الأزمات والحروب، حيث تصبح الحاجة أكبر إلى إجراءات تمنع انتشار هذا النوع من المحتوى دون المساس بحرية التعبير.



حرية إنشاء المواقع الإلكترونية وإلغاء الرقابة المسبقة

من النقاط الإيجابية في الاقتراح تكريس مبدأ حرية الإعلام الإلكتروني، إذ لم يعد إنشاء المنصات والمواقع الإخبارية خاضعًا لأي موافقة أو ترخيص مسبق، ما يساهم في تعزيز التعددية الإعلامية وفتح المجال أمام المبادرات الصحافية الرقمية.

كما يتضمن الاقتراح إدراج المواقع الإلكترونية ضمن إطار قانون الإعلام، وإلغاء القيود المتعلقة بعدد المطبوعات الدورية السياسية، إضافة إلى إلغاء الرقابة المسبقة للأمن العام على طباعة وإصدار ونشر المنشورات غير الدورية.

كذلك يسمح بإنشاء المؤسسات الإعلامية التي تعتمد على البث والنشر عبر الإنترنت والأقمار الصناعية وسائر التقنيات الحديثة، وفق آلية تقوم على العلم والخبر بدل نظام الترخيص المسبق.

الحد من المقاربة الجزائية في قضايا النشر

يتجه الاقتراح إلى تقليص اللجوء إلى العقوبات الجزائية في قضايا التعبير والنشر، من خلال إخراج بعض الأفعال، ومنها القدح والذم ونشر بعض المواد المحظورة، من نطاق التجريم الجزائي وإحالتها إلى القضاء المدني.

ويُعدّ هذا التوجه من الخطوات الإيجابية التي تنسجم مع مبادئ حماية حرية التعبير، خصوصًا أنه يلغي الامتيازات الخاصة المتعلقة بالرؤساء والموظفين العامين، ويوسّع هامش النقد المسموح به تجاه الشخصيات العامة.

كما يتيح للمدعى عليه إثبات صحة المعلومات المتعلقة بالوظيفة العامة أو بالمصلحة العامة، ليس فقط عبر الأدلة المباشرة، بل أيضًا من خلال القرائن، مع إمكانية إلزام الجهات الرسمية أو المعنية بتقديم المستندات والمعلومات اللازمة.

أما بالنسبة إلى التحريض على الكراهية والتمييز، فقد أدرج الاقتراح هذا الجرم ضمن النصوص القانونية، لكنه ربطه بمعايير محددة بهدف الحد من سوء استخدامه، وهو أمر يمكن تبريره نظرًا إلى خطورة التحريض وتأثيره على السلم الاجتماعي، خصوصًا في الظروف الحساسة.

إلا أن هذه الإيجابية تراجعت مع إعادة إدخال جرم “الأخبار الكاذبة” ضمن النصوص الجزائية، وهو ما يشكل إحدى أبرز نقاط الجدل في الاقتراح.

إلغاء بعض الجرائم وتعزيز حماية الصحافيين

ألغى الاقتراح عددًا من الجرائم الواردة في القانون الحالي، ومنها الجرائم المتعلقة بالتحقير وإثارة النعرات وتعريض البلاد للمخاطر، كما حدّ من إمكانية تطبيق بعض مواد قانون العقوبات على المؤسسات الإعلامية الخاضعة لأحكامه.

ومن أبرز الضمانات التي يتضمنها الاقتراح اعتماد “المصلحة العامة” معيارًا أساسيًا لتحديد ما يجوز نشره، مع اعتبار قضايا مكافحة الفساد، ومساءلة المسؤولين، وحماية الحريات العامة، والأمن والصحة العامة، من القضايا التي تدخل ضمن هذا الإطار.

كما لم يغلق الباب أمام نشر معلومات تتعلق بالحياة الخاصة للأفراد، شرط أن تكون صحيحة ومرتبطة بشكل مباشر وموضوعي بالمصلحة العامة.

وأجاز كذلك تداول المعلومات المرتبطة بالقضايا التي لا تزال قيد التحقيق عندما تكون ذات صلة بقضية رأي عام أو منفعة عامة.

ضمانات إضافية للصحافيين

يتضمن الاقتراح مواد مهمة لحماية العاملين في المجال الإعلامي، أبرزها حماية المصادر الصحافية، وتعزيز الحرية النقابية، وضمان استقلالية التحرير، وحماية الصحافيين من الاعتداءات، واحترام الضمير المهني، وتكريس حق الوصول إلى المعلومات.

وتكتسب هذه الضمانات أهمية خاصة، باعتبار أن حرية الإعلام لا يمكن أن تتحقق من دون توفير حماية قانونية للعاملين فيه.

احترام أصول المحاكمة العادلة

ينص الاقتراح على إنشاء غرف مدنية ابتدائية في مراكز المحافظات، واعتماد التقاضي على ثلاث درجات، إضافة إلى تطبيق أصول المحاكمة الموجزة.

كما يلغي صلاحية المحكمة العسكرية في القضايا المرتبطة بالإعلام، ويحافظ على مبدأ عدم جواز التوقيف الاحتياطي في الدعاوى الخاضعة لهذا القانون.

تعزيز المسؤولية الاجتماعية للإعلام

يتضمن الاقتراح مجموعة من البنود التي تهدف إلى تعزيز دور الإعلام ومسؤوليته تجاه المجتمع، ومنها تكليف الهيئة الوطنية للإعلام بوضع مدونات سلوك بالتعاون مع المؤسسات الإعلامية والصحافيين والنقابات والجمعيات المختصة.

ويفترض بهذه المدونات أن تشكل إطارًا يوازن بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية، وأن تركز على البحث عن الحقيقة، استقلالية الإعلام، التضامن بين الصحافيين، والتعامل المسؤول خلال الأزمات.

كما يمنع الاقتراح المؤسسات الإعلامية ومالكيها من الحصول على منافع غير مشروعة أو الدخول في حالات تضارب مصالح، ويحظر حصولها على امتيازات أو عقود مع الدولة والجهات العامة، إلا أن هذه المادة تحتاج إلى مزيد من التوضيح حتى لا تتحول إلى أداة قابلة للتأويل أو الاستخدام التعسفي.

كذلك يكرّس الاقتراح ضرورة الفصل الواضح بين المحتوى الإعلامي والإعلاني، بما يحمي استقلالية التحرير ويحفظ حق الجمهور في معرفة طبيعة المادة التي يتلقاها.



ثانيًا: سلبيات اقتراح القانون

مخاوف من عودة القيود وإضعاف التعددية الإعلامية

رغم الإيجابيات التي يحملها الاقتراح، إلا أن عددًا من مواده يثير مخاوف جدية، خصوصًا لجهة ضمان التعددية الإعلامية، ومنع الاحتكار، والحد من إعادة إدخال العقوبات الجزائية في قضايا النشر.

غياب الضمانات الكافية لمنع الاحتكار الإعلامي

ألغت اللجان المشتركة الضمانة الأساسية التي كانت تهدف إلى منع تركّز ملكية وسائل الإعلام، والتي كانت تنص على عدم قدرة أي مساهم أو مالك لحق اقتصادي واحد على امتلاك أكثر من 10% من رأسمال الشركة أو السيطرة على أكثر من 10% من أعضاء مجلس الإدارة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مع اعتبار الزوج أو الزوجة والأصول والفروع شخصًا واحدًا.

وقد بررت عملية الإلغاء بأن هذه المادة لا تعكس الواقع الحالي، إلا أن هذا التبرير لا يبدو كافيًا، لأن دور التشريع لا يقتصر على وصف الواقع القائم، بل يجب أن يضع قواعد تمنع استمرار حالات الهيمنة والاحتكار، خصوصًا في قطاع الإعلام الذي يرتبط مباشرة بالتعددية وحرية الرأي.

وكان بالإمكان تعديل النسبة أو إعادة صياغة المادة بدلًا من إلغائها بالكامل، حفاظًا على هدف القانون المتمثل بمنع الاحتكارات وضمان المنافسة العادلة.

كما أن السماح لكل شركة إعلامية بامتلاك مؤسسة تلفزيونية وأخرى إذاعية ضمن الفئات المحددة في القانون قد يؤدي إلى تركّز كبير في سوق محدود أصلًا، خصوصًا أن عدد المؤسسات التي تستخدم شبكات البث الأرضي التابعة للدولة اللبنانية محدود.

إضافة إلى ذلك، يسمح الاقتراح للأجانب بامتلاك كامل المؤسسات الإعلامية غير السياسية، وبنسبة 20% من رأس مال المؤسسات الإعلامية السياسية، من دون وضع قيود واضحة على عدد المؤسسات التي يمكن تملكها، أو تحديد مفهوم “الشخص الواحد”، ما قد يفتح الباب أمام الالتفاف على القيود القانونية.

إلغاء الضمانات لمنع احتكار سوق الإعلانات

ألغى الاقتراح أيضًا الضمانة التي كانت تمنع شركات الإعلان من ربط إعلاناتها بشكل حصري بوسيط إعلاني واحد.

ويثير هذا الأمر مخاوف من إمكانية سيطرة جهة واحدة على سوق الإعلانات، بما يحد من المنافسة بين الوسطاء ويؤثر على استقلالية المؤسسات الإعلامية وتنوعها.

فالإعلان يشكل عنصرًا أساسيًا في استمرارية الإعلام، وأي تركّز غير منضبط في هذا القطاع قد يتحول إلى وسيلة ضغط على المؤسسات الإعلامية.

إعادة تجريم الأخبار الكاذبة: عودة المقاربة الجزائية

من أبرز الملاحظات على الاقتراح إعادة إدخال جرم “الأخبار الكاذبة” ضمن العقوبات الجزائية، بعدما كان الاتجاه العام للقانون يسير نحو تقليص التجريم في قضايا النشر.

وينص الاقتراح على معاقبة من “يتعمد اختلاق أضاليل ونشر أخبار كاذبة ومؤذية”، إلا أن هذا النص يطرح إشكاليات عدة.

أولًا، لا يوضح بشكل دقيق مفهوم “الأخبار الكاذبة” أو “الأضاليل” أو معيار اعتبار الخبر “مؤذيًا”، ما قد يؤدي إلى تفسيرات واسعة تسمح بملاحقات قد تمس بحرية التعبير.

ثانيًا، قد يشكل هذا النص بابًا للالتفاف على الضمانات التي منحها القانون في قضايا القدح والذم، إذ قد تتم إعادة ملاحقة الصحافيين جزائيًا تحت عنوان نشر أخبار كاذبة بدلًا من اللجوء إلى القضاء المدني.

كما أن وضع جرم الأخبار الكاذبة في المادة نفسها المتعلقة بالتحريض قد يؤدي إلى تشديد العقوبات في حالات معينة، رغم اختلاف طبيعة الجرمين.

وفي ظل وجود نصوص تعالج حالات التحريض التي تؤدي إلى خطر فعلي على المجتمع، يطرح السؤال حول الحاجة إلى إعادة إدخال جرم الأخبار الكاذبة بصيغة جزائية، بدل الاكتفاء بالمسؤولية المدنية عند الضرورة.

ثغرات قانونية إضافية

رغم أهمية بعض الضمانات التي يقدمها الاقتراح، إلا أنه لا يزال يحتاج إلى معالجة عدد من النقاط، أبرزها:

  • عدم وضع نص واضح يمنع التحقيق مع الصحافيين في قضايا النشر أمام جهات غير مختصة.
  • عدم توسيع حماية الصحافيين من التوقيف الاحتياطي في القضايا التي لا يشملها القانون.
  • عدم معالجة وضع اتحاد الصحافة اللبنانية بما ينسجم مع التطورات المهنية والإعلام الرقمي.
  • ضرورة حصر أي إجراءات تفتيش أو ملاحقة تتعلق بمصادر الصحافيين بالحد الأدنى الضروري، احترامًا لسرية المصادر.

كما أن الاقتراح استبدل حالات النشر المحظور الواردة في القانون الحالي بنص عام يمنع نشر أو بث كل ما يخالف القوانين المرعية الإجراء.

هذا التغيير قد يؤدي إلى فقدان حماية خاصة كانت موجودة لفئات ضعيفة، خصوصًا القاصرين الذين يقدمون على الانتحار وضحايا جرائم الاغتصاب، حيث كانت هناك قيود واضحة تمنع كشف هوياتهم.

كذلك يمنح الاقتراح المتضرر من أي مادة إعلامية الحق في طلب إزالتها، لكنه لا يحدد تدرجًا واضحًا للإجراءات، مثل إعطاء الأولوية للتصحيح أو الرد قبل اللجوء إلى الإزالة، كما لا يحدد الحالات التي يمكن فيها للمؤسسة الإعلامية رفض الطلب.

ويبقى أيضًا بعض الالتباس حول استمرار تطبيق المواد 385 إلى 387 من قانون العقوبات المتعلقة بالقدح والذم بحق السلطة العامة، رغم التوجه العام نحو توسيع هامش النقد المباح.


الخلاصة

يقف اقتراح قانون الإعلام اللبناني أمام اختبار حقيقي بين هدفين أساسيين: حماية حرية الصحافة من جهة، وضمان المسؤولية المهنية وعدم إساءة استخدام الحرية من جهة أخرى.

فالقانون يحمل إصلاحات مهمة، أبرزها حماية الصحافيين، استقلالية تنظيم القطاع، وتوسيع مساحة النقد والإعلام الرقمي، لكنه يحتاج إلى مراجعة عدد من المواد التي قد تعيد إنتاج بعض القيود القديمة أو تفتح المجال أمام الاحتكار أو الملاحقات الجزائية.

ويبقى التحدي الأساسي أمام المشرّع اللبناني هو إقرار قانون يكرّس الإعلام كركيزة للديمقراطية، لا كقطاع خاضع للتوازنات والضغوط.

تقرير خاص – Lebanon Scoop
يُمنع نقل أو إعادة نشر هذا التقرير كليًا أو جزئيًا دون الإشارة إلى المصدر.

“الموقع غير مسؤول عن محتوى الخبر المنشور، حيث يتم نشره لأغراض إعلامية فقط.”

مقالات ذات صلة