التنمّر: اغتيال بطيء لطفولة بريئة

في زمنٍ نفاخر فيه بالوعي والانفتاح، ما زال التنمّر يتسلّل إلى حياتنا اليومية بهدوءٍ قاتل.
لا يطرق الأبواب، ولا يعلن عن نفسه، لكنه يترك خلفه ندوبًا لا تُرى… وتُوجِع.
التنمّر ليس كلمة عابرة تُقال ثم تُنسى، ولا تصرّفًا طفوليًا بلا عواقب.
هو وجعٌ يتراكم، وكسْرٌ صامت للروح، يزداد قسوة حين تكون الضحية طفلًا لا يعرف كيف يدافع عن نفسه، ولا يملك سوى صمته.
غالبًا ما تبدأ الحكاية في المدرسة.
هناك، حيث يُفترض أن تُبنى الشخصيات، وتُزرع الثقة، ويشعر الطفل بالأمان.
لكن بين مقعدٍ وصفّ، وبين ضحكةٍ ساخرة ونظرة استهزاء، قد تُهدم حياة كاملة.
كان طفلًا عاديًا… هكذا رآه أهله.
ذكيًا، حالمًا، ومليئًا بالبراءة.
وُلد مع حَوَل في عينيه، مشكلة صحّية لم تمسّ عقله ولا طموحه، لكنها جعلته “مختلفًا” في عيون زملائه.
دخل المدرسة بقلبٍ مفتوح، دون أن يعرف أن الاختلاف قد يكون تهمة.
في الصف، لم يجد احتواءً، بل سخرية.
ألقاب جارحة، تقليد ساخر، وضحكات لم تكن بريئة أبدًا.
ومع الأيام، تغيّر.
انطفأ شيء داخله.
انطوى على نفسه، خسر ثقته، وبدأ يكره المدرسة… لا لأنه يكره العلم، بل لأنه لم يعد يشعر بالأمان.
وهذا الطفل ليس استثناء.
كثيرون يتعرّضون للتنمّر لأنهم مختلفون:
بسبب شكلهم، أو وضعهم الصحّي، أو هدوئهم، أو حتى لأنهم لا يشبهون “الصورة النمطية”.
والنتيجة واحدة: نفسٌ مكسورة، خوفٌ دائم، وشعور قاسٍ بعدم القبول.
التنمّر ليس “مزحة ثقيلة”، ولا مرحلة عابرة.
هو سلوك مدمّر، قد يرافق الإنسان سنوات طويلة، ويترك أثره في علاقاته، وثقته بنفسه، ونظرته للحياة.
والحقيقة المؤلمة؟
أن التنمّر لا يُصنع في المدرسة فقط…
بل يبدأ من البيت.
من البيت الذي يتعلّم فيه الطفل كيف ينظر إلى الآخر.
من الكلمات التي يسمعها، والأحكام التي تتردّد أمامه.
فمن لا يتعلّم قبول نفسه، لن يتقن يومًا قبول غيره.
علّموا أولادكم أن الاختلاف جمال لا عيب.
أن الإنسان لا يُقاس بملامحه، ولا بضعفه، بل بقلبه وأخلاقه.
علّموهم أن الأذى لا يصنع قوة، وأن من يؤذي الآخرين غالبًا يحمل وجعًا داخليًا لم يشفَ بعد.
ربما كلمة واعية تنقذ طفلًا.
ربما موقف شجاع يوقف سلسلة أذى.
وربما تربية صادقة تصنع جيلًا أكثر رحمة.
التنمّر ليس قضية هامشية.
إنه اختبار حقيقي لإنسانيتنا… جميعًا.
نيكول صدقة



