سعد الحريري يبتعد عن السياسة و“الوريث” بانتظار الإشارة الإقليمية

يتمتع الرئيس سعد الحريري بحضور محبّب لدى مختلف المكوّنات اللبنانية، لما عُرف عنه من اعتدال وانفتاح ونهج غير طائفي، فضلاً عن امتلاكه قاعدة واسعة داخل الطائفة السنية، إحدى الركائز الأساسية التي أسهمت في قيام “لبنان الكبير” إلى جانب الطائفة المارونية.
تجربة الحريري في رئاسة الحكومة أظهرت ميلاً واضحاً لديه نحو الإصلاحين السياسي والإداري، بعدما لمس حجم التعقيدات التي تعيق قيام الدولة. إلا أنه اختار الانكفاء عن العمل السياسي المباشر، مع الحفاظ على حضور “الحريرية السياسية”، ولا سيما بعد الفتور الذي طرأ على علاقته بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، لأسباب تتصل بعلاقات سابقة مع شخصيات سعودية لا يفضّلها ولي العهد. ويُفسَّر هذا الواقع بإقامته الدائمة في دولة الإمارات التي حاولت التوفيق بين الطرفين من دون تحقيق اختراق حاسم حتى الآن.
الاستقبال الشعبي الحاشد للحريري وخطابه الهادئ والمنفتح شكّلا بحد ذاتهما رسالة سياسية إلى المملكة بضرورة إعادة احتضانه واحتضان جمهوره وممثليه في العمل السياسي، طالما أنه غير راغب شخصياً في العودة المباشرة. كما أن غموض خطابه حيال الانتخابات النيابية يعكس انتظاراً لإشارة سعودية، في ظل تقديرات تفيد بأن واشنطن أوكلت جانباً من مقاربة الملف اللبناني إلى الأمير محمد بن سلمان، باعتبار الطائفة السنية حاضنة أساسية لهذا التوجّه، مع حرص الحريري على إبقاء علاقات إيجابية مع مختلف المكوّنات اللبنانية، انسجاماً مع رؤية تقوم على احتضان العروبة كبديل عن التطرف والانقسامات الطائفية والجهوية.
يبقى السؤال المطروح: من يمثّل رمز “الحريرية السياسية” في المرحلة المقبلة؟ نظرياً، تُعدّ النائبة السابقة بهية الحريري الأجدر بهذا الدور، غير أن البنية الاجتماعية الذكورية في لبنان والمنطقة تشكّل عائقاً أمام هذا الخيار، ما يفتح المجال أمام نجلها أحمد الحريري، الناشط سياسياً والمرشح للمشاركة في الانتخابات، والذي يتولى عملياً إدارة جانب من حضور “تيار المستقبل” عبر جولاته على المناطق اللبنانية.
في المقابل، يُقال إن أحمد الحريري يحظى بدعم تركي، في ظل اهتمام أنقرة بالساحة اللبنانية، خصوصاً في الشمال حيث تمتد علاقات تاريخية مع عائلات وعشائر عربية. كما يبقى العامل السوري، بنظاميه السابق والحالي، مؤثراً تقليدياً في مسار الانتخابات النيابية اللبنانية.
مع ذلك، تبقى “الحريرية السياسية” في حالة ترقّب خارج الإشارة السعودية. فرغم الدور الإقليمي الذي يلعبه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، تظل المملكة العربية السعودية اللاعب العربي الأبرز في لبنان، نظراً لشراكتها الاقتصادية والسياسية والمالية مع الولايات المتحدة. ومن هنا يبرز تساؤل إضافي حول مقاربة واشنطن لمستقبل “الحريرية السياسية” ودور أحمد الحريري، وهو ما يفترض بحثه مع الجهات الدبلوماسية المعنية التي تملك تصوراً أوضح عن المرحلة المقبلة.



