لبنان بين نارين بعد التحول الإقليمي الكبير

أعادت الساعات الأربع والعشرون الأخيرة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، بعد الضربة الأميركية-الإسرائيلية التي استهدفت القيادة الإيرانية وأدت إلى مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين. هذه الضربة لم تكن مجرد حدث عسكري، بل شكلت صدمة داخل منظومة الحكم في طهران، بعدما طالت مركز القرار وأربكت بنية القيادة والسيطرة في النظام الإيراني.
التداعيات لم تتوقف عند حدود إيران. فمحور النفوذ الذي بنته طهران في المنطقة يواجه اليوم اختباراً صعباً، وخصوصاً في لبنان حيث يمر حزب الله بمرحلة حساسة بعد خسارات قيادية وتبدلات في المشهد الإقليمي. هذا الواقع يطرح تساؤلات حول قدرة الحزب على إدارة المرحلة المقبلة في ظل التحولات الكبرى داخل إيران نفسها.
في المقابل، تتزايد المخاوف في لبنان من أن يتحول البلد مرة جديدة إلى ساحة مواجهة إقليمية. القوى السياسية والدولة اللبنانية تؤكد ضرورة تجنيب لبنان أي حرب جديدة، خصوصاً في ظل الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه البلد.
غير أن المعضلة الأساسية تبقى في مسألة قرار الحرب والسلم، إذ إن أي تصعيد من حزب الله قد يجر لبنان إلى مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، فيما قد يُفسَّر الصمت أو الانكفاء كضعف داخل محور المقاومة.
إقليمياً، تبدو المواجهة الحالية أوسع من مجرد ردود فعل عسكرية. فالصراع يتجه نحو إعادة ترتيب النفوذ في المنطقة وتقويض شبكة حلفاء إيران الممتدة من الخليج إلى البحر المتوسط. ومع ذلك، تشير تجارب المنطقة إلى أن الحروب التي تبدأ بأهداف محددة قد تتحول سريعاً إلى صراعات طويلة ومعقدة.
في ظل هذه المعادلة الدقيقة، يبقى لبنان على صفيح ساخن، حيث قد تحدد الساعات المقبلة اتجاه الأحداث، بين احتواء التصعيد أو الانزلاق إلى مواجهة جديدة قد يدفع اللبنانيون ثمنها مرة أخرى.



